أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده

22

مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم

فإذا عجز عن خدمة ربه ، ربما اشتاق إلى الموت . قيل لبعضهم عند موته : لم تجزع ؟ قال : لأني أسلك طريقا لم أعهده ، وأقدم على رب لم أره ، ولا أدري ما أقول ولا ما يقال لي . والثاني - ردي البصيرة . رضي بالحياة الدنيا ، واطمأن بها ، ويئس من دار الآخرة ، كما يئس الكفار من أصحاب القبور . فإذا خرج إلى دار الخلود أضر به كما يضر رياح الورد بالجعل . فالدنيا سجن الأول وجنة الثاني ، وشتان ما بينهما . والأول كعبد دعاه مولاه للإحسان ، والثاني كعبد آبق رد إلى مولاه مأسورا مقهورا ناكس الرأس مخزيا من جنايته . والثالث - رتبة بين الرتبتين . رجل عرف غوايل الدنيا وكره صحبتها ، ولكن أنس به وألفه فيكره الخروج منه ، فإذا خرج ورأى ما أعد للصالحين ، وقال : وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ . الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ « 1 » . وذلك كالصبي يبكي للانتقال عن رحم الأم ثم إذا أنس فضاء العالم لا يتمنى الإنتقال إليها . وقد ثبت عند المحققين أن الموت ولادة ثانية وأن فضاء الدنيا بالنسبة إلى عالم الآخرة نسبة الرحم إلى الدنيا . كما قال بعضهم : ينبغي أن يكون شكرنا « لعزرائيل » كشكرنا « لجبرائيل » و « ميكائيل » عليهم السلام . كما ورد في الدعاء : اللهم صل على « محمد » و « جبرائيل » و « ميكائيل » وملك الموت . فإن جبرائيل وميكائيل سببان لسبيل الخلاص في الآخرة بواسطة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وعزرائيل سبب لإخراجنا إلى ذلك العالم فحقه عظيم وشكره لازم . وقد حكي عن طائفة من حكماء الأمم السالفة تعظيم « رجل » بالتقديس والتسبيح ، لأنهم اعتقدوا أنه لا يعين على الحياة العرضية ، بل هو سيف الهلاك الذي به الخلاص عن الدنيا الدنية .

--> ( 1 ) سورة فاطر ، آية : 34 ، 35 .